وجهات نظر

جمهورية “نعم”.. بقلم: منتصر دياب

 

تقع جمهورية “نعم” على ساحل بحر الشمال ويحدها من الشرق بحر الرمال ومن الجنوب مدينة “سمارا” ومن الغرب مدينة “لارا”. كان يحكم جمهورية “نعم”السيد “سلعوة” والذي ورث الحكم عن أجداده القدماء وكان يساعده في الحكم ولداه “تعلوب” للسياسة و”دياب” للاقتصاد ، وكانت زوجته “رمانه هانم”  تساعده في شئون الثقافة بجانب شئون الضيافة والنظافة واللطافة وكل ما ينتهي بـ آفة. جمهورية “نعم” كانت دولة نونو محندقة يسكنها بضعة ملايين واكلين شاربين نايمين حامدين ولم يكن بينهم شخص قبيح يقوم بالتجريح أو سب الدين. في هذه المدينة الجميلة كان الشعب العظيم لا يعرف غير كلمة نعم. كان الرئيس العظيم يجري استفتاء على بقائه في الحكم كل بضع سنوات وكانت نتيجية الاستقتاء دائما نعم. كانت أشهر الأكلات أكلة أسمها نعم وأشهر الشوارع شارع نعم. كان المشروب الرسمي للدولة مشروب نعم. يعني لو شخص ما ذهب إلى مقهى وسأله الجرسون حضرتك تشرب قهوه سيقول له نعم وإن سأله حضرتك تفضل أن تشرب شاي سيقول له نعم. فكانت كل الحانات والبارات في الشوارع والحارات تخلط مخلوطا من الشاي والقهوة والعرقسوس والكاركدية واليانسون واليتذكرون وكل ما هو معروف ساعتها ويمكن أن يشرب بشرط أن يكوم حلالا ولا يخالف شرع الله ثم أطلقوا عليه مشروب نعم.

في هذه المدينة الهادئة الجميله كان يعيش “زرباح” وأسرته. زرباح مواطن بسيط لا يعرف ماذا تعني كلمة محيط ولا شباك من باب ولا باب من حيط. يذهب إلى عمله كل يوم ويعود ليشاهد التلفزيون مع أسرته. “زرباح” كانت له زوجة اسمها “زرباحة ” خميرة عكننة مع أباحة. أبوها كان يعمل أمين شرطة في جهاز كبير أسمه ” أمن الوطن” مجرد سماع هذا الأسم كان يبث الرعب في قلوب المواطنين. وطبعا كان “زرباح” يؤثر السلامة فكانت زوجته هي ظل أبيها في البيت وتهدد زوجها دائما إن لعب بذيله ستأتي بوالدها لكي يقطعه له و “زرباح” طبعا كان يفضل أن يحتفظ بذيله كما هو. “زرباح” كان لديه ولد أسمه “زوربيح” وبنت اسمها ” زربيحة” . كان “زرباح” يعمل أمين مكتبة في المكتبة العامة للدولة. كانت الدولة تحافظ على الكتب وتحرص على الأ يقرؤها أحد فتضعها في خزائن قيمة ذات أقفال محكمة. لم يكن مسموح لأحد من أهل المدينة أن يقرأ أي من هذه الكتب. كانت المكتبة تُفتح فقط عندما يزور الدولة وفد من دولة أجنبية ليرى مدى تقدم الدولة وحرصها على اقتناء أحدث الكتب. وللحقيقة كان الضيوف يدهشون من مدى تقدم الدولة في هذا الشأن ، ويتعجبون من كم الكتب التي تبدو جديدة تماما لم تمس. وإذا تسائل أحدهم ماذا تفعلون لكي تحافظوا على الكتب بهذا الرونق والبهاء والجمال فكانوا يقولون أهل بلدتنا يعشقون الكتب ولهم طرق خاصة في الحفاظ عليها وهذا سر لا يمكن البوح به لأحد.

ذات يوم “زرباح” كان يشاهد التلفزيون كالعادة مع أسرته وكان يذاع برنامج اسمه عالم البحار وكان يتحدث المذيع عن سمكة القرش وكيف يفتك السمك الكبير بالسمك الصغير. “زرباح” كان يحب الحيونات ربما أكثر من البشر. كان يجلس بالساعات يشاهد برامج عن الحيونات ويتأمل حياتها وتصرفاتها. شعر “زرباح” أن الحيونات ليس في الحقيقة حيوانات لا تفهم بل هم عائلات كالبشر تماما لها عادات وتقاليد. في يوم اخر كان يشاهد برنامج اسمه عالم الحيوان الذي كان يذيع حلقة عن حياة الأسود ورأى كيف إذا بلغ الأسد سنا معينا يهاجمه أسدا شابا فتيا فيتصارعا على الحكم ويكون البقاء للأقوى . فإذا تغلب الأسد الشاب وهو غالبا ما يحدث ينسحب الأسد العجوز من المشهد. ليس هذا وفقط بل يقوم الأسد الشاب بافتراس أشبال الأسد الأخر حتى يقضى  على نسله وأي أثر له ، مما يضطر أنثى الأسد القديم أن تأخذ أولادها وترحل. وشاهد الأسد الكبيرأيضا وهو يطرد الأشبال إذا بلغوا سنا معينا في مشهد درامي بليغ وكأنه يقول لهم : ” هي مش تكيه يا روح مامتك أنا ربيتكم وكبرتكم ، فارقونا بقا خلونا نشوف حالنا ونربي اخواتكم الصغيرين”. الملك الجديد يعي الدرس جيدا فإذا تركهم يكبرون فسينافسونه كما فعل هو مع من سبقه و سيطردونه هم إن لم يسبق ويطردهم. ثم إن هناك حكمة إلهية بليغة وهي أن يذهب هذا الشبل ويبحث عن ذاته ويكون نفسه ويبنى هو الاخر أسرة ويكون له زوجة وأشبال كأبيه وهكذا تستمر عجلة الحياة. وشاهد عالم النحل والنمل والأفيال والطيور والضباع ، وفهم من خلال مشاهدته لماذا يقول الناس سبع ولا ضبع. لأن السبع وهو الأسد يفترس ويأكل حتى يشبع ثم يأتي الضبع ليأكل ما تبقى منه وأنه يأكل الجيف بعد أن تتعفن وممكن يسرق مجهود الحيونات الأخرى دون أن يعاتبه ضميره فهو في النهاية حيوان. حقا إنه عالم أخر لا يعلم الناس عنه الكثير.

عالم الحيوان وحب “زرباح” له دفعه لأن يفعل شيئا مجنونا. لقد وقع”زرباح” في المحظور وقرر أن يقرأ. كان التلفزيون المحلي بقناتيه الأولى والثانيه يحذر الناس ليل نهار من القراءة ومن أضرارها البالغة. وكان يَحذُر على أهل المدينة طبعا مشاهدة أي قنوات أجنبية غير القنوات المحلية . وكان من يفعل ذلك يعتبر معتديا مجرما آثما يشك الناس في ولائه لوطنه ويعيرونه بذلك. فمثلا قد يقول له شخص ما ” ياله يا بتاع قناة كذا” وتعير أخرى أختها قائلة ” ده والله مش كلامك ده كلامه القناة أياها، أنا عارفاه كويس”. “زرباح” لم يعد يكترث أخذ القرار وانتهى. ولكن كيف يتصرف الكتب في خزائن ضخمة صعب أن يصل إليها وهو لا يملك مفاتيح تلك الخزائن. جاءت”زرباح” فكرة رائعة فعرضها على مديره فوافق على الفور. “زرباح” كان خريج كلية سياسة واقتصاد لكن التعيين رماه على المكتبة العامة. هذا الشيء عادي في مدينة نعم. فأخو “زرباح” كان مهندسا لكنه يعمل في محطة بنزين. وأخوه الأخر كان طبيبا لكنه يعمل بودي جارد في ملهى ليلي وممكن تجد صيدلي يعمل على عربية فول أو عربية كبدة .. الخ. المهم “زرباح” عرض على المدير أن يعمل في النظافة إذ إنه كره الجلوس على المكتب دون أن يفعل شيئا ففرح بذلك المدير الذي كان يريد أن يمنح وظيفة “زرباح” لأحد أقاربه.

أنتقل “زرباح” إلى قسم النظافة وتخصص أكثر في تنظيف الكتب. بدأ “زرباح” في القراءة أثناء تنظيف الكتب لكن حظه العاثر رماه في قسم الكتب الأجنبيه و”زرباح” للأسف كغالبية سكان مدينة نعم لا يعرفون اللغات الأجنبية إذ أنها تعتبر أيضا من المحرمات. ذات مرة كان لـ “زرباح” أبن عم تعلم لغة أجنبية في كلية الألسن فكان أهله يتهموه بالزندقة وكان إذا تكلم بهذه اللغة أمام أحد يشعرون أنه ملبوس وبه جن. ويحكى أيضا من طرائف هذا الرجل أنه سافر للعمل في أحدى الدول الأجنبية. وذات يوم وهو يمر بالطريق حدث حادث سطو وقام أحد اللصوص باطلاق النار على ضحيته فأرداه قتيلا على الفور ثم لاذ بالفرار ، وكان قريب “زرباح”  فضوليا كأهل مدينة نعم فذهب ليشاهد الحادث ، فلما جاءت الشرطة وجدته جالسا بجانب الجثة ، فسألوه هل تعرف القتيل؟ فقال نعم – هو طبعا لا يتسطيع أن يقول لا كحال كل أهل “جمهورية نعم” – فقال الشرطي: هل أنت قتلته؟  فقال قريب “زرباح” : نعم. قريب “زرباح” يتمنى أن تخرج منه كلمة “لا” لكن لا يعرف كيف فلم يتعلم طوال حياته  غير أن يقول نعم.أصطحبته الشرطة إلى المخفر وجلس فيه اياما وليالي وكلما سأله المحقق هل أنت من قتله؟ فيقول نعم. وبعد فترة قبضت الشرطة على أحد اللصوص وبالصدفة اكتشفوا أنه هو الذي قتل ذلك الشخص المتهم بقتله قريب “زرباح” ، فبرأته الشرطه وقبل أن يطلقوا صراحه ، سأله المحقق لماذا قلت نعم حين اتهمناك بالقتل؟ فحكى له القصة عن “مدينة نعم” فضحك المحقق وقال نعم نعم لقد سمعت كثيرا عن هذه المدينة في كتب التاريخ فهي مدينة عريقة ذات جذور تاريخية سحيقة وكل الناس تعرفها ، وأعرف ايضا أنها من أشهر المدن في العالم التي ينجح رئيسها في الانتخابات بنسبة 99.999% ، وضحك الأثنان كثيرا وانتهى الأمر على خير والحمد لله. ضرب “زرباح” نفسه بالكف على وجهه ليستيقظ وقال لنفسه ما هذا الهذيان والسرحان الذي أنا فيه ! هذا ليس وقت النوم والكسل بل وقت الجد والعمل. بدأ “زرباح” يلتهم الكتب التهاما ، قرأ كل ما مر عليه من كتب لم يدع شيئا حتى كتب الطبخ والحمل والولادة وكتب الاطفال. وظل يقرأ ويقرأ أياما وأشهرا وسنوات. وبدأت زوجته تشعر بالتغير فلم يعد زوجها كما هو ، أصبح يهذي بكلام غير مفهوم. ذات مرة قال لها كلمة غريبة أسمها “ديمقراطية ” وظل يشرح لها معناها وأنها طريقة للحكم.

فقالت زوجته : وقعتك سودة وهباب زي وشك يا منيل: بسرعه قل لي جبت الكلام ده منين؟

“زرباح” : ساء الهبل على الشيطنة وقالها وانا بنظف الكتب وقعت على دماغي من على السلم ويظهر جاتني تربنة.

قالت زوجته : تربنه !! انتا هتعملهم عليا ، انطق جبت الكلام ده منين؟

قال “زرباح”: والله زي ما بقولك أنا حاسس ان ركبنى عفريت.

وما أن نطق “زرباح” كلمة عفريت حتى خافت زوجته وارتعدت وقالت: يالهوي يامه عفريت الراجل بينه اتجنن.

ومن ساعتها اعتقدت زوجته أن عقله فوت ولم تعد تكترث لما يقول، لكن “زرباح” لم يسكت وبدأ يتكلم مع أصدقائه المقربين. وذات مرة قال لأحد أصدقائه عن موضوع الديمقراطية وأنها نظام حكم الشعب للشعب.

فقال صديقه: أنتا اتجننت رسمي يا “زرباح” أنتا عارف انتا بتقول ايه؟

قال”زرباح”: انتا كمان هتقول اتجننت انتا اصلك مش عارف حاجة. صدقني في حاجة اسمها ديمقراطية أنا قريت عنها في الكتب وكمان في انتخابات وفي دول بتختار الرئيس والرئيس هناك بينجح بنسبة 51% مش 99.9%.

صديق “زرباح” نظر إليه مشدوها فاغرا فاه، يا بني انت مخك اتلحس ايه الكلام اللي انتا بتقوله ده.

ظل “زرباح” وصديقه في جدال عنيف بدأ بالتراشق بالالفاظ وسباب للأمهات وكاد أن يصل للتراشق بالأيدي والأقدام. أقسم “زرباح” لصديقه على صدق كلامه وأنه لديه الدليل وسوف يحضره له في موعد اتفقا عليه. وفعلا بعد عدة أيام قام “زرباح” بسرقة عدة كتب من المكتبة واعطاها لصديقه الذي قراءها ولم يكن مصدقا ثم بدأ الكلام يكثر في المدينة وأفكار “زرباح”  أخذت تنتشر كالنار في الهشيم. لم يخلو بيت من بيوت “مدينة نعم” إلا ودخلته أفكار “زرباح” عن الحريه والديمقراطية والإخاء والمساوة والعدالة الاجتماعية. كانت كلمات لها مفعول السحر في نفوس الناس.

بعد سنوات لا يعرف أحد عددها بلغ الظلم بالبلاد مداه وكان الرئيس “سلعوة ” يحتضر وكاد أن يرث الحكم من بعده أبنه “تعلوب” وقبل أن تبدأ المراسم كان الشعب راسم ونزل في الميداين بالملايين. ناس كانت بتقول أن في ميدان التحرير وحده عدة ملايين .. لا أسف .. لحظة .. مدينة نعم ليس فيها ميدان تحرير ، كان الميدان اسمه العتبة نعم نعم العتبة ، كان ضيقا بعض الشيء  لكنه أدى الغرض. الشعب قال كلمته وقف أمام الرئيس وقال : ” أرض نعم مش عزبته هو واولاده”. وانطلقت الهتافات والشعارات ، بعضهم قال: “كل نداغة وكل لبان يا “سلعوة” يا جبان” والبعض قال” حط طوبة على طوبة أرحل يا سلعوة يا كركوبة” ، كما طالب الشعب بعيش وجبنة رومي وحرية وعدالة اجتماعية والحاجات اللي هي وقالوا كل اللي في نفسهم. رجال المطافي والحماية المدنية كان قلبهم على قلب الشعب ولبوا النداء ، وكانوا في انعقاد دائم والناس لم تكن تدري لماذا هذا هكذا. بعد فترة جذب وشد وخذ وهات خرج على الشاشة السيد “أبو شنبات” قال للناس ما هو ات. لقد قرر الرئيس “سلعوة” تخليه عن منصب رئيس جمهورية نعم وسمعنا بعدها أحلى نغم وظلت الناس ترقص في الطرقات واقاموا الافراح والليالي الملاح والشعب خلاص ارتاح.

الشعب وعي واتنور والكتب انتشرت واصبح هناك أحزاب جديدة غير الحزب الواحد وأصبح فيه صوت آخر غير صوت الحكومة. واتفتحت قنوات كثيرة وظهر شعراء جدد وكتاب جدد وكأن ماسورة شعراء وانفجرت في البلد. وفاكر إن شاعر “عاجوز” قال قصيدة بالمناسبة السعيدة اسمها “ارحلي يادولة العواجيز” مع أنه هو ذاته عجوز لكن الموضوع عدى على الجميع والشباب افتكرت انها ” هتلعلع وتهيص”.والكل أصبح يقول رأيه بصراحة وصلت للوقاحة. وظهرت كائنات تسمى مثلا ناشط سياسي وأخرى كمحلل عسكري وخبير استراتيجي والعمليه هاصت على الاخر.

سنين عدت والناس على هذا الحال حتى تمكنت اخيرا من ان تفرض كلمتها وتعمل انتخابات وتختار رئيس عادي من بين الناس. بعد فترة من التوهان كل شيء انكشف وبان. رجال المطافي والحماية المدنية قالوا الرئيس ده شخشيخة والناس لم تعتاد ذلك ، ويجب أن يكون الرئيس متعافي من المطافي. الناس قالت هذا كلام العقل لا ينفع مع “جمهورية نعم” غير رئيس من المطافي يكمل النعم. والناس اختلفوا فريقين فريق مع وفريق ضد وعندما كان النقاش محتدما أخرج  “موافي ” رئيس المطافي طبنجته الميري ووضعها على الطاولة وماكاد أحدهم أن ينطق حتى عاجله بطلقة فأرداه قتيلا في الحال ثم كان له ما أراد. وبعدها هدأت العباد وارتاح الغادي والباد والكل اتباد والبعض منهم اشترى له ايباد ، وفتح له حساب على تويتر وفيسبوك ، واصبح يعيش في عالم افتراضي وعلى رأي الشاعر الحكيم الذي قال: يا تعيش زمن من تأليفك .. وتعيش حياتك على كيفك .. يا أما تستنى رغيفك من دولة فرعون يحكمها .. قصدي بيحكمها “موافي” رئيس المطافي.

وهذا ما كان وصار من حكاية الفتى “زرباح” واصبح الدنيا تلكمه وترفصه والخ الخ يقوم من حفره يقع في دحديرة ومن فخ لفخ ، ولما وصل أمره إلى حماه الذي يعمل في جهاز أمن الوطن بعد بلاغ من زوجته أنه هو وراء كل ما حدث من خراب في البلد فأمر باعتقاله وقام مساعديه بتعليقه كالذبيحه ، وساموه العذاب الوان، ونفخوه بالمنفاخ حتى اعترف بأنه وراء ما حدث وأرشد عن أصدقاء السوء الذين شاركوه والذين نشروا العلم بين الناس وسمحوا لهم بقراءة الكتب ، وما لبثت ان عادت جمهورية نعم كما كانت مواطنين شرفاء مطيعين لا يقرأون ويفعلون ما يؤمرون.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق