وجهات نظر

منتحر في الجنة وشهيد في النار.. بقلم: عبدالعزيز العطار

كثُرت الأخبار والأنباء التي تتحدث عن الانتحار حتى بات سماع تلك الكلمة يمر على الأذان وكأنه حديث عابر، فالحال يبين أن الانتحار صار أمرا مقبولا، فلم تجد من يقف أمام تلك الحوادث أو يبحث عنها أو يأخذ منها العبرة، غاية ما في الأمر تجد الناس يتدافعون إلى نعته بالكفر تارة وبالفسق تارة أخرى، والبعض يجمع عليه اليأس والكفر وقل فيه ما تشاء؛ في حين ينعتون من شاءوا بالشهادة ويحكمون لهم بالجنة الأبدية، في تحد لنصوص صريح مشاركين الله فيما انفرد به، ويتألون عليه جل في علاه.
إن قضية الانتحار تُبحث في مجتمعاتنا العربية أو المسلمة بشكل عام باعتبارها خطيئة كبرى، والمصيبة الأعظم أن النظر إليها بتلك الصفة لا لكونها كبيرة من الكبائر؛ بل لكون فاعلها قد خرج من الدين – كما يقول البعض- نظرا لما سمعوه وتلقوه من المشايخ والوعاظ، وكأن غاية الدين تكفير المجتمع، كما تناسى وتغافل من قال بذلك التفاوت بين الناس، وعدم تكافؤ الفرص وارتفاع العنوسة والعزوف الجبري عن الزواج وانعدام فرص العمل، فقد حدثتني ملحدة ذات يوم وقالت: إذا كان الله موجود فأين من هذا الصراع الذي يشهده العالم والذي يقتل فيه القوي الضعيف، والبقاء فيه للأقوى وليس الأصلح؟ وهو سؤال لعمري دقيق، لا يحسن الإجابة عليه إلا حاذق، فغياب الدين والاستبداد والجهل والتخلف وانحطاط القيمة وضياع الكرامة والبعد عن الحرية هي قضايا أساسية لم يتطرق لها الوعاظ، وكأنها قضايا ثانوية، وهي شديدة الصلة بالانتحار والتكاليف ومحور مقالنا.
لم ينظر إلى الإسلام إلى الإنسان نظرة دونية حقيرة، ولم يتعامل معه باعتباره ألة تعمل وفق قاعدة معينة، فالله كرم الإنسان ودعا لتكريمه وحفظ حقوقه واحترام إنسانيته، لذلك تجد العلماء قد جعلوا المرض والجنون والتعب من عوارض الأهلية التي تمنع التكليف وترفعه عن الإنسان حال كونه كذلك، بل زاد الأمر إذ اعترفت الشريعة بالتعب النفسي مثل التعب المادي العضوي تماما بتمام، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسل عندما يتحدث عن الغيبة يقول: ذكرك أخاك بما يكره، إشارة للضرر النفسي، فضلا عن سياستها مع الضرر المادي الملوس.
إن غاية الدين ليست تكفير الخلق، والعلماء قد تحدثوا في ذلك كثيرا وأثبتوا قاعدة عظيمة أكدوا فيها على أن من ثَبُتَ إيمانه بالشك لا يثبت كفره إلا باليقين؛ ومفاد تلك القاعدة أن المنتحر ليس بكافر على كل حال- فضلا عن النصوص الأخرى- فالمنتحر عند تأويل سبب انتحاره- وهي أسباب جديرة بالبحث- تجد فيه بدل المخرج مخارج، وهو ما يرفع وصفه بالكفر، كما أن الأحاديث التي تحدثت فيه قالت أن حديدته في يده يتردى بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها، ويترتب على ذلك السؤال المهم هل وعيد الله متحقق لا محالة، أم أن أمره إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عاقبه؟ مع التأكيد على أنه ارتكب جرما وكبيرة من الكبائر.
وفي المقابل تجد الرجل يقبل ولا يدبر، مثبت الأقدام محاربا في الصفوف الأولى لا دفاعا عن الدين أو العرض أو عن مصاف الشهادة، ولكن يأسا منه وضعفا إلا أنه اتخذ الجهاد حيلة للموت، ولقد سُئل صلى الله عليه وسلم عن الرجل الذي يقاتل من أجل أن يقال مقاتل، فقال صلى الله عليه وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو شهيد.
فكم من شهيد- بالمعنى السياسي- ليس شهيدا، وكم من منتحر سقط عن التكليف حال انتحاره، وكم من ضعيف ضاقت به السبل وبلغ به اليأس كل مبلغ ولا ترى منه إلا ظاهره، فكفوا ألسنتكم عن التألي على الله، فالله وحده بيده الجنة والنار، هو المطلع على قلوب العباد، ولنكن دعاة رحمة لا عنف، ونطلب الله الرحمة لكل من مات من أهل القبلة، لا سيما إذ عرفنا أن هناك من الظروف ما ترفع التكاليف وأن من ثبت إيمانه بالشك لا يثبت كفره إلا باليقين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق